أنيما النفس الحديثة
في هذه الرحلة الأوديسية الباحثة عن جنة الخلد، منذ أن حفظ الفراعنة النفس الأزلية محنطة في أقبية الأهرام حتى شحنها في الرقائق الرقمية والسفر بها نحو الكواكب البعيدة، يطوف بنا ميشال أونفراي مقلبا صفحات تاريخ الفلسفة، بحثا عن هذه النفس (أنيما) التي صنعها العقل المسكون بفاجعة الفقد. ولم يكن غير الجسد، ذلك المادي فينا الذي يضج بالحياة، هو الذي عليه أن يسحق تحت عجلات المثالية الأفلاطونية والأفلوطينية والدين اليهودي المسيحي مع تعاليم الرسول بولس الزجرية وما تلاه من أرباب الكنيسة، لتصقل النفس الطاهرة الخلوص من دنس الجسد ولتحيا خالدة في عالم الأرباب المثالي. ورغم ما حمله العلم بداية النهضة وما تلاها بتبديده لتلك العوالم الميتافيزيقية، استمر البحث عن مادية النفس وروحانيتها في تجاويف الدماغ، في الغدة الصنوبرية مع ديكارت، وفي التناسل وتحسينه مع الاقتران بالحيوانات في بحث محموم على بقاء يدوم أمده إلى ما لانهاية مع ديدرو وغيره من فلاسفة الأنوار. وبمجيء الثورة الفرنسية حتى عصرنا الحالي مع البلاشفة والفاشيين والنازيين والبنيويين والتفكيكيين ومشاريع إيلون ماسك المجنونة، تَمَّ القضاء على الإنسان بوصفهِ حقيقة وجودية لينهض على رفاته ((الإنسان الجديد)»، المستنسخ في مختبرات السياسات الاستبدادية وأوراش صناعة الذكاء الاصطناعي مع النزعة ما بعد الإنسانية، فتحول الإنسان إلى كائن رخوي يستولد ذاته من ذاته، دماغه مشحون بنفس رقمية. ويختم أونفراي هذه الرحلة العبثية لنفسٍ ضالَّة، بذلك الاستفسار المريب الذي ألقاه مالرو على مسامع محدثه: ((ما جدوى غزو قمر لا يمكن أن يكون إلا طريقا يقود إلى الانتحار؟».

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات