العولمة ودوافع الاستياء منها
يصوّر الكتاب مسار العولمة بما حمله من وعود كبرى وإنجازات بارزة، وما أفرزه في المقابل من إخفاقات ثقيلة ونتائج سلبية جسيمة. فمع صعود ترمب عام 2017، برزت حدود العولمة وتبعاتها بوضوح، لا سيما على الطبقات الوسطى والدنيا، على الرغم من أن النظام الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية قد عزّز التجارة العالمية وأسهم في انتشال الملايين من الفقر.
غير أنّ مخرجات هذا المسار لم تتوزع بطريقة عادلة؛ إذ إن الشركات العملاقة والطبقات الثرية استأثرت بها، في حين دفعت المجتمعات الصناعية التقليدية والفئات العاملة الثمن بتراجع مستويات المعيشة وتفاقم الأزمات الاجتماعية والصحية. ويبيّن الكتاب أنّ جوهر الاستياء لا يعود إلى مبدأ العولمة في حد ذاته، بل إلى المبالغة في وعودها، وغياب العدالة في تقاسم المكاسب، وانحياز الحوكمة إلى مصلحة الدول الكبرى والشركات العابرة للقوميات، فضلًا عن سيطرة النيوليبرالية وما جرّته من أزمات متلاحقة.
وهكذا نشأت منظومة دولية صُمّمت لخدمة الأقوياء، يصعب تعديلها بفعل تمسّك المستفيدين منها بامتيازاتهم. ومع ذلك، يوضح المؤلف أنّ هذا المسار لم يكن قدرًا محتومًا، بل ثمرة خيارات سياسية؛ فالتجربة الإسكندنافية أثبتت إمكانية إدارة العولمة بسياسات اجتماعية أكثر عدلًا، على النقيض من الولايات المتحدة ومعظم الدول المتقدمة التي فرضت "إجماع واشنطن" القاسي على البلدان النامية، ففاقمت الأزمات ورسّخت التفاوت.
ويبرز الكتاب كذلك مسؤولية العولمة في تفكك المجتمعات المحلية، نتيجة نقل الشركات عملياتها الإنتاجية إلى الخارج؛ ما أدى إلى انهيار مدن صناعية واندثار دورها الاقتصادي والاجتماعي. وتفاقمت خسائر الدول الفقيرة بسبب القواعد الدولية غير العادلة، وسوء إدارة المؤسسات العالمية، إضافة إلى عبء التغير المناخي الذي تتحمله هذه الدول على الرغم من أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدول الغنية. وزادت الأزمة تعقيدًا مع تحوّل الملكية الفكرية إلى أداة جديدة لنقل الثروات نحو الشمال، وتراجع نموذج التصنيع والتصدير في آسيا، وتصاعد موجات الهجرة وما نتج منها من توترات متراكمة. ومنذ احتجاجات سياتل عام 1999 وصولًا إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، تعاظم الوعي الشعبي بآثار العولمة غير المتوازنة، ثم جاء صعود ترمب ليغذي هذه الشكوك بخطابه الحمائي، وإن كانت التحولات البنيوية في الاقتصاد العالمي أوسع نطاقًا من شخصه وتتجاوزه.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات