الصمود في وجه العدمية
منذ نهاية العصر الوسيط حتى منتصف القرن العشرين، انقسم الفلاسفة بين من سار على درب فلاسفة العصور القديمة الذين كانوا يطلقون العنان للتفكير الحر، ومن سار على درب الأساتذة الملقنين للفلسفة في المدرجات الجامعية. ومنهم من اتبع فلسفة سقراط المشائية، كما فعل مونتين في قلعته، وديكارت أمام المدفأة، وسبينوزا في ورشة صقل النظارات، وروسو في الريف، وفلاسفة الأنوار في الصالونات، ونيتشه في الجبال، وتورو في كوخ، وسارتر واقفا على برميل، وسيمون دو بوفوار في المقاهي، وكامو في الجرائد. ومنهم من اتبع فلسفة أفلاطون التعليمية، من مدرسين وأساتذة وكل من كان يتلقى راتبا مقابل تلقينها في المؤسسات، مثل كانط في جامعة كونيغسبرغ، وهيغل في جامعة بينا (enaا)، وشوبنهاور في جامعة فرانكفورت، وهيدغر في جامعة فريبورغ، وألان بجامعة هنري الرابع، وجانكيليفيتش بجامعة السوربون، وفوكو وبارت وستراوس وبورديو بالكوليج دو فرانس، ودولوز وشاتوليه بجامعة فانسين، وألتوسير ولاكان بالمدرسة العليا، وديريدا بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وكونت سبونفيل وفينكيلكرو بالجامعة المتعددة التخصصات، وميشال سير وروني جيرار بجامعة ستانفورد في أمريكا وبعدها بالأكاديمية الفرنسية.
ومهما تبادر إلى ذهننا من تصورات عن علاقة الفلسفة بالمكان، فإن شروط ممارسة الفلسفة تختلف مقالتها على حسب اختلاف مقاماتها، إذ لا تُدار الفلسفة في الساحات العامة والحقول وقرب البحيرات وأمام المدفأة وبين جلساء في المقهى، مثلما تدار داخل المكتبات وفي مستودعات الأرشيف الوطنية وفي المكاتب وقاعات المحاضرات، حينما يكون الفيلسوف منعزلا عن العالم ومنزويًا في مكان يحميه من الواقع، حيث يكون الأرشيف أو الكتاب هما اللذان يحتكم إليهما الباحث لمعرفة حقيقة الواقع.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات