الجنون والحضارة
ثمة ظواهر تعدّ جزءًا من تجربتنا الإنسانية المشتركة عبر الزمن، ونحن نجدها في كل ثقافة من ثقافات العالم، أبرزها فقدان العقل، والشعور بالاغتراب عن عالم الحس المشترك الذي يتخيل معظمنا أننا نتوطّنه ونعيش فيه، والاضطراب الانفعالي المدمّر الذي يسيطر على بعضنا فلا يستطيعون تجنّبه. إن الجنون ينتاب الخيال البشري، فيذهله ويخيفه في الوقت نفسه. قليلون هم المحصّنون ضد أهواله، وهو يذكرنا دون هوادة بمدى هشاشة تحكّمنا في الواقع بعض الأحيان، ويتحدّى إحساسنا بالحدود التي تعطي وجودنا معناه الإنساني.
إن موضوعي هو الجنون في الحضارة، وما أتوخّى استكشافه وفهمه هنا هو علاقتهما وتفاعلاتهما المعقدة ومتعددة الأصوات. لماذا الجنون؟ يتضمّن هذا المصطلح إيحاءات مفارقة تاريخية، ويشي بتجاهل قاس تُعامل به معاناة الذين تعلّمنا أن نطلق عليهم اسم المرضي العقليين أو غير الأسوياء، أو نلجأ بأسواً من ذلك إلى مفردات مهينة تلازمهم. إن مراكمة المزيد من البؤس على المجانين، ووسمهم بتلك الوصمة التي غلّفتهم عبر العصور، لا يمكن أن تنأى كثيراً عمّا أقصده، فالألم والبؤس اللذان يسببهما فقدان القدرات الذهنية لضحاياه، ولأحبائهم وللمجتمع بأسره، أمرٌ لا يمكن لكل من واجه هذا الموضوع أن يتجاهله أو يقلّل منه، ولا ينبغي له ذلك. هنا تكمن بعض أعمق أشكال المعاناة الإنسانية من الحزن والعزلة والاغتراب، والبؤس، وموت العقل والوعي. لذا، مرةً أخرى، وبإصرار أكبر هذه المرة، لماذا لا انتج مد الكامة الأكير قوة ارانون قل أو الاضطراب المقل، بدلاً من استخدام ما

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات