عقل أبي
أن يرى الإنسان والده العالم المرموق، صاحب الإنجازات الفريدة في علم الوراثة، وهو يتدهور من القمة إلى القاع، ليصبح بعد أن كان يوماً ما عالماً فذاً، وكاتباً مرموقاً له مراجع علمية قيمة، شخصاً غير قادراً على تأدية أبسط مهام حياته اليومية، لهي تجربة مريرة حقاً.
يصحبنا المؤلف في رحلته الملحمية تلك، أثناء إصابة والده بألزهايمر، والتدهور التدريجي لقدراته العقلية. ليصبح في النهاية غير قادراً على تذكر وفاة زوجته التي رافقته لأكثر من نصف قرن من الزمان، أو حتى التعرف على أبنائه، أقرب الناس إليه. ويصف لنا الكاتب، وهو طبيب قلب ورواني وكاتب أمريكي شهير، تتصدر كتبه قائمة أفضل الكتب مبيعاً، مشاعره بصدق خلال تلك التجربة المؤلمة، التي يتحول والده خلالها من بطل في عينيه إلى أسير غرفة ضيقة يصارع فيها المرض كل يوم. فهو غير قادر على تحديد مشاعره بدقة.
هل يفقد احترامه لأبيه؟ أم يتعاطف معه؟ هل ينظر إليه باعتباره شخصاً لا قيمة له؟ أم يظل يحمل له الاحترام الذي ظل يكنه له طوال حياته؟ هل يرى ضعفه فيزدريه؟ أم يرى في محنته درساً عن قسوة الزمان؟ وتتجلى حيرة المؤلف في مراحل حياة أبيه الأخيرة، مع عدم قدرته على حسم حيرته، والإجابة على سؤال: هل الحياة التي يعيشها أبيه تستحق أن يبذل الجهد للحفاظ عليها؟ هل عليه أن يقاتل للحفاظ على حياته؟ أم يتركه يرحل بسلام بدون معاناة؟ كلها أسئلة صعبة ومريرة، يعرضها المؤلف خلال هذا الكتاب الشيق بصدق وأمانة، فهو لم يحاول أن يبدو في صورة البطل الذي ظل لأخر لحظة يساند أبيه بكل قوته، بل عرض تجربته بكل جوانبها، دون أن يحاول أن يخفي لحظات الضعف الإنساني التي كانت تعتريه في بعض الأوقات.
فمثلما تضمنت تلك الرحلة لحظات من الشجاعة والعزيمة والإصرار والتفاني. تضمنت أيضاً لحظات من الضعف واليأس والتخاذل والأنانية. أنها تجربة إنسانية فريدة، وما يزيدها عمقاً هو قدرة المؤلف على مزج تفاصيلها ببعض الحقائق العلمية المثيرة عن العقل البشري وتعقيدات النفس البشرية.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات