عبوديتي وحريتي
تعلّمتُ بطريقةٍ ما من هذه التساؤلات أنّ «الإله الموجود في السماء» قد خلَق كلّ الأجساد، وجعل بِيضَ البشَّر سادة، ومِن أسودِهم عبيداً. لم يُرضِني ذلك البيان، ولا خفُتَ به شغفي بالموضوع. أُخبِرتُ كذلك أنّ الربّ خيّر، وأنّه عالمُ بما هو خيرٌ لي، وبما هو أصلح للجميع. كان ذلك أقلّ إقناعاً لي من التصريح الأول؛ لأنَّه قد أصابَ رأساً جميع مَفاهيمي عن الخير وجاء مناقضاً لها. إذ لم يكُن من الخير أن يُباحَ للسيد الكبير أن يسلُخ لحم إستر ويجعلها تصرخ هكذا. فَضلاً عن ذلك:
كيف عرف الناس أنَّ الرّب قد خلق السُودَ من البشر ليكونوا عبيداً؟ أرتَقَوا إلى السّماء وتلقوه عِلماً؟ أم أنّ الرب، إلى الأرض قد نزلَ، وبهذا أبلَغَهم؟ عند تلك النقطة يصير كلّ شيءٍ مُبهماً.
الإنسانُ الذي يستعبِدُ بني سُلالتِه، لا يُعوَّلُ بأمانٍ على مروءتِه. يتجلّى ما في العبودية من شناعة التكوين وتحجُّر القلب؛ في طبيعة العلاقة ما بين الأمّ وأبنائها، حتى على فراش الموت. فليس من الجائز أن تجتمع الأم التي على شفير القبر بأولادها، كي تُحمَّلهم بنصائحها المقدّسة، وتُناشِدهم كي يدعوا لها بالرحمة بعد موتها. فالمرأة المملوكة مُستعبَدة؛ تُهجَر لتنفُقَ كالبهيمة، فما يُحاطُ به الجواد الأثير لدى صاحبه يكون غالباً أكثر مما تُمنحُه. لقد جعلت العبوديةُ إخوتي وأخواتي غرباء عنّي، وأحالت أمي، أمي التي أنا ابنُ بَطنها، إلى أُسطورة بالنسبة إلي، حجبت حقيقة أبي في طيّ الغموض، وتركتني في هذا العالم من دون بَدَاءَةٍ مفهومةٍ واضحة كثيراً ما تمنَّيثُ أن لو كنتُ بهيمةً عجماء، أو طائراً، أن أكون أيّ شيء، باستثناء أن أكون عبداً. ما كان يبلُغ سَمعي من إخباريّاتٍ رهيبةٍ من ضَيمِ وانتهاك، أفضَّت بي- ولمّا لم أزَل بعد في الثامنة أو التاسعة - إلى أنّي تمنَّيثُ أن... يا ليتَني لم أجيء أبداً إلى الدنيا.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات