في ركن العوالم الممكنة
توجد طُرقٌ عدّة لاختيار عنوان كتاب. تتمثّل الأولى في امتلاكِ مُسبَق لعنوانٍ قبل الشّروع في الكتابة. فيكون العنوان إذاك بمثابة لازمةٍ مُلحّة أو دافعٍ مكذوب تُقضَّ مضجعك وثُلح عليك ما دمتَ لم تستجب لها. وقد كان ذلك مع عنوان: "نحن نُعاشر اللامادّيّات، دون أن نُدرك ذلك غالبًا". كان عنوانًا طويلاً جدّا؛ ومع ذلك فقد وجدتُ صعوبةً في التخلُّص منه لفائدة آخر أكثر بساطةً واعتدالاً (١) : "مُقارَبةُ اللآمادّيّات". أمّا الطّريقة الثّانية، فتعكس المسار، إذ نختار العنوان بعد أن نكون قد فرغنا من الكتاب، أو على الأقلّ أنجزنا منه جزءًا هامًّا. فنتناقش بشأنه ونطلب التُّصح؛ ندورُ وننعطفُ. وقد كان ذلك شأن هذا الكتاب. كنت أُفضّل عبارة "عوالم مُوازية" على عبارة "عوالم مُمكنة" ... بشكلٍ أبسط، فإنّ الصّورة التي تتبادر إلى الذّهن هي صورة خطّين يلتقيان إلى ما لا نهاية له؛ وهو ما يُقلّص من عددها ويضع حدًا لتوازيهما.
فعلم الهندسة والأُفُق المشروع يتربّصان... على العكس من ذلك، كانت عبارة "عوالم مُمكنة" تُوقِّر مزيّةَ كونها لا تُقصي شيئًا، وتفتح طيفًا واسعًا من الإمكانات بقدر ما توجد مُمكنات. لكنّ عنوان عوالم ممكنة وحده كان إمّا شديد التأثُر بلايبنتز أو مُفرِطًا في الأدبيّة... ثمّ كان من الضّروريّ الإشارة إلى أنّ تلك الممكنات تملك أو قد تملك نقطةً مُشترَكة لم تعُد فيها مُمكناتٍ بل واقعًا رغم بقائها ضمن مجال المُمكنات... أي، إن جاز القول، ممكنات دون أن تكون كذلك؛ ممكناتٌ "وفقَ" أو
"حسب"؛ ممكناتٌ "بما هي" أو "بصِفَتِها كذلك". إنّ صورة " الزّاوية" الهندسيّة، التي تصل وهي تَفصِل، بدت لي عندئذٍ موضعيّة. فنحن نرى وفقَ زاوية رؤية. وقد تتعدّد زوايا الرّؤية، حتّى إن كان الشّيء الذي يُرَى (عالم أو عوالم) مُستديرًا.
هي الزاوية إذن؛ وأُؤكِّد هنا أنّني أَدينُ بالفضل في هذه الزّاوية لغاري فِكْتور، مُؤلِّف رواية في زاوية الشّوارع المُوازِية، الذي التقيثُ به في مدينة مونبلّييه، قُرب سيت.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات