مذكرات بغي
الحب أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف. فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس الحب بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل.
والمحبة التي لسبب من الأسباب تفنى بفناء السبب. فمن أحبك لأمر هجرك مع زواله. الاتصال بين النفوس سّره في الموافقة بينها فالشكل دائمًا يستدعي شكله والمثل إلى مثله ساكن، وشبه الشيء منجذب إليه. فلو كان سبب الحب مثلًا جمال المحبوب للزم ألا نحب الأقل جمالًا لكنّا نجد كثيرًا من يؤثر الأقل جمالًا وهو يعلم أنه كذلك. فالحب شيء آخر في ذات النفس لا في صورتها
الحب داء عياء وفيه الدواء، مرض مستلذ وعلة مشتهاة، لا يود سقيمها البرء ولا يتمنى عليلها الشفاء.
لستُ رسولَ الرذيلة في الكون، ولا نذير الفساد أو ناشر الغواية بين الأنام، لكنّها مذكرات إحدى بنات حواء، خطتها أناملها وأيام بؤسها، وأزمان شقائها، وقد اندفعت في تيار العُهر والفساد ضحية ظروف قاسية سببها طيش زوج جاهل، فهي حسرات بغي كشفت فيها القناع عن خفايا عيشها، ودخائل حياتها، وطَرف من أسرار عُشاقها، والمعجبين بجمالها، أولئك الذين ارتبطت بهم مكرهةً مرغمةً، وما يكتنفُ هذه الحياة من دموع وآلام. أقدمها لأبناء وطني دون تغيير معالمها، عبرة وذكرى.
السكاكيني 5 أبريل سنة 1921
محمد رأفت جمالي

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات