التاريخ المفروض
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب التاريخ المفروض Le passé imposé، ضِمن سلسلة "ترجمان"، من تأليف هنري لورنس، وترجمة جان جبور. يقع الكتاب في 223 صفحات، إضافة إلى التقديم الذي يتناول تأملات في أفول الحضارة الغربية وتحولات العلاقة بين الغرب والشرق، مستندًا إلى رموز فكرية وتاريخية مثل هارولد ماكميلان وميشيل فوكو. ويبرز الازدواجية الغربية في النظر إلى الشرق بوصفه مهدًا أصيلًا للحضارة وموضوعًا للاستعمار في آنٍ واحد. ويركّز على تعقيد العلاقة بين التاريخ والمعاناة، ويشير إلى فشل مشروع مشترك للمؤلف في هذا الموضوع؛ بسبب صعوبة التوفيق بين السرد التاريخي الموضوعي وتجربة الألم الحية. ويؤكد أن تناول تاريخ العالم العربي الحديث يقتضي مقاربة تتجاوز الجغرافيا إلى مفاهيم مختلفة، مثل العنف والمعاناة وغيرهما. ويشتمل الكتاب، أيضًا، على ثبت مصطلحات، وثبت أعلام، ومراجع وفهرس عامّ. وقد جمع بين دفّتيه أربعة فصول.
ينطلق هذا الكتاب من مراجعة نقدية لأسس المعرفة التاريخية والخطابات المعاصرة حول الذاكرة، ويحلّل تطوّر الاستغراب والاستشراق خارج أُطر فوكو الصارمة، مع تتبُّع تحوّل السرديات في زمن ما بعد الاستعمار، حيث تغيب البطولة لمصلحة الضحية، ويُستبدل الحاضر بالمستقبل، في خضمّ صراعات على كتابة التاريخ.
ويمثّل الكتاب قراءة لكتابة التاريخ تحت سطوة العنف. ففي القرن العشرين، بلغ العنف ذروته بسبب حربَين عالميتين، ومعسكرات إبادة، واستعمار تقنّع بوجه إنساني في خطاباته، فنهب واستعبد باسم التقدم، ولم يهدأ مع نهاية الحرب الباردة، بل اتخذ أشكالًا جديدةً في ظل العولمة؛ إذ ترافقت الهيمنة الاقتصادية مع خطاب سياسي يتذرّع بـ "الحرب على الإرهاب"، مغلّفًا عدوانه بمفردات إنسانية. هكذا أُعيد تشكيل العالم بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وتَجدّدت آليات تبرير العنف الإمبريالي، مدفوعةً بحجج تحريرية وإنقاذية، في حين أنها كانت تمارس أنواعًا مروّعة من القهر.
ويُبيّن الكتاب أنّ العنف نفسَه أصبح يُمارَس باسم الإنسانية، بحيث تحوّل في هذا السياق، وفقًا لما تُقدّمه الخطابات الغربية، إلى أداة "إنقاذ": تدخُّل عسكري لحماية حقوق الإنسان، أو قَصْف وقائي لنشر الديمقراطية؛ فتتوارى خلف هذه الواجهة دوافع السيطرة وتكريس الهيمنة الثقافية والسياسية، وهو أمرٌ جعل الخطاب الحقوقي سلاحًا مزدوجًا: يتحدّث باسم الضحايا، لكنه يُسكتهم حينما "يلزم الأمر"، ويعقلن العنف حين يصدر عن "الخير" ضد "الشر". وهكذا، تصبح مقاومة هذا العنف موصومة بالإرهاب، في حين يُقدَّم المعتَدون على أنهم منقذون.
ويتناول الكتاب الحركة الجهادية باعتبار أنها عُنف مضادّ، وأنها نشأت في العالمين العربي والإسلامي بوصفها ردّة فعل على النظام العالمي، وأنها تبنّت - في مقابل ذلك - منطق العنف الشامل والعدمية، فاستهدفت المدنيين، وخلطت حضور الغرب العسكري والمجتمعي بقيم الحداثة ومؤسساتها. لم تكن هذه الحركة خارج التاريخ، بل بنَت خطابها ضمن "السوق العالمية للعنف"، وجاءت بوصفها وجهًا آخر للردّ على تهميش الهويات والتفاوتات البنيوية التي خلّفها الاستعمار والأنظمة التابعة له.

















الرئيسية
فلتر
لا يوجد مراجعات